كوخي .. أول كرسي لكنيسة المشرق

نبيل جميل سليمان/ فانكوفر – كندا    

   لا ننسى: “أنّ جميع الأشياء تعمل لخيرالذين يحبون الله” (رومة 8 : 28)، وما بدا لنا مؤسفاً في حقبة ما، قد يسهم في حقبة أخرى في إستنهاض الهمم وإذكاء المحبة والتعاون للخير والبناء. والحكيم منا هو من يحاول الإفادة من دروس الماضي – حتى من مآسيه – لبناء حاضره وإعداد مستقبله على صعيد الفرد والجماعة في مسيرة هذه الكنيسة العريقة. ومما لا شك فيه أن مسيرتها عبرالقرون العديدة لم تكن سهلة، فقد أعتراها المزيد من النور والظلمة، والكثير منالمد والجزر. ومع هذا كان تاريخها حافلاً بالنشاطات الرائعة على مختلف الأصعدة وبالبطولات في الأمانة للمبادئ والقيم السامية لآباء الكنيسة الأولون، والذود عنها بأقوالهم وكتاباتهم ومواقفهم الشجاعة التي غالباً ما أدت إلى الشهادة في سبيل إيمانهم. برغم ما صادفتها من أوهان وخلافات ناجمة عن مواقف الكبرياء والأنانية لدى بعض من مسؤوليها، مما زرع في طريقها الكثير من الأشواك والعثرات التي شلّت التعاون المتبادل، وأدت إلى فرط حبل الوحدة المسيحية…!

  • أول كرسي لكنيسة المشرق    

   ومع هذا لم يصيبها الأحباط، ولم تحد من حيويةرسالتها من أجل تحقيق الخلاص والوحدة. ومن هنا كانت تسمية “كنيسة المشرق” التي أطلقت على ذلك الشعب الذي تلقى الرسالة المسيحية، منذ نهاية القرن الأول الميلادي، في منطقة بين النهرين العليا، إنطلاقاً من الرها (أورفا الحالية في تركيا). وأنتشرت المسيحية من هناك شيئاً فشيئاً في ما بين النهرين الوسطى والسفلى. وأستطاع مؤسسها مار ماري أن يؤسس أول مركز مسيحي هام – بالقرب من العاصمة الفرثية (الأرشاقية) آنذاك – في منطقة قطيسفون (المدائن حالياً، على بعد32 كيلومتر من جنوب بغداد) تتكون من أكواخ يسكنها خدام الملك ومزارعوه.

   في “كوخي” (الأكواخ)، تأسس أول كرسي لكنيسة المشرق. ومن هناك شعّت المسيحية إلى مناطق أخرى من بين النهرين ووصلت إلىبلدان الخليج، وتوجهت شرقاً نحو بلاد الفرس حتى وصلت الهند والصين واليابان. وكان قد تم إكتشافها من قبل البعثة الأثرية الألمانية عام 1929، ما تزال آثار عملية تنقيباتهم ماثلة للعيان. حيث يقول المنقبون ان كوخي مكونة من كنيستين: السفلى كانت مشيدة باللبن، أما الكنيسة العليا فكانت مبنية باللبن المفخور التي شيدها (مار آبا الكبير).

  • موجز تاريخي

   بعد أن أرسل الرب يسوع المسيح تلاميذه الأثني عشر.. ورسله الأثنين والسبعين إلى كل بقاع الأرض لنقل البشارة، وصل مار أدي ومار ماري الرسولين (من الأثنين والسبعين) إلى بلاد ما بين النهرين وبشروا بالمسيحية. ويذكر المؤرخون أن القديس ماري هو أحد رسل القديس توما الرسول (تلميذ الرب يسوع المسيح)، وكان من أبرز الذين قاموا بنشر المسيحية في بلاد الرافدين خصوصاً، حيث اقام في منطقة طيسفون (المدائن حالياً، 35 كلم جنوب بغداد) في القرن الاول للميلاد. وكان مار ماري الرسول قد طلب معبداً للأصنام يقع على تل صغير من ملك الفرثيين ارطبان (أردوان) الثالث الذين حكموا في فارس، لإقامة الكنيسة فيه، بعد ان تمكن مار ماري من شفاء شقيقة الملك التي كانت مصابة بمرض عضال وتعيش في عزلة في دير قنيّ قرب مدينة العزيزية (90 كلم جنوب بغداد)، وحصل ماري الرسول على موافقة الملك في بناء الكنيسة. وهنا تحول موقع معبد الأصنام إلى كنيسة ناشئة، يأتيها المؤمنون لإقامة الصلوات والشعائر والاحتفال بالطقوس الدينية المقدسة.

   ثم أكتسبت “كنيسةكوخي” على مر الأيام أهمية كبيرة، فقد تحولت إلى مقر رئيس كنيسة المشرق الذي كان يحمل لقب الجاثليق (كاثوليكوس، وهو أسم كان يطلق في الإدارة الرومانية على جابي الضرائب، ويعني “العام” أو “الشامل”) قبل أن يصبح “البطريرك”في القرن الخامس، وعرفت حينها بأسم “كرسي كوخي”. ومنذ تشييد الكنيسة شهدت عمليات ترميم وتوسيع حتى عام 341 م، حيث هدمها الفرس في مطلع الأضطهاد الفارسي الأربعيني الذي شنه شابور الثاني على المسيحيين. فألقى القبض على الجاثليقمار شمعون برصباوي وعلى العديد من أساقفته وكهنته والمؤمنين، وأصاب الدمار كنيسة كوخي للمرة الأولى. مما أضطر المؤمنون المسيحيون إقامة الصلوات في البيوت. ثم أعادوا بنائها بعد منتصف القرن الرابع. و رممت لرسالة الجاثليق (تومرصا) سنة 363م، لتصبح مقراًللبطريركية حتى 799م. ويذكر أن (طيمثاوسالاول) الذي أصبح بطريركاً لكنيسة المشرق قرر في ذلك العام نقل مقر البطريركية منكوخي إلى بغداد، عاصمة الدولة العباسية في عهد الخليفة المهدي (775- 785م)، لتهمل كوخي ويحل بها الدمار حتى مطلع القرن الماضي مع بداية عمليات التنقيب التي قامت بها بعثات اجنبية.

   قدمت هذه الكنيسة الكثير من الشهداء أولهمالجاثليق (مار شمعون برصباعي) ورفاقه في الأضطهاد الأربعيني. وفي ساليق أستشهد شاهدوست خلف مار شمعون و أستشهد معه 128 من رفاقه، الذين ألقي القبض عليهم في المدائن. و نفذ فيهم حكم الأعدام علناً في المدينة. وكان (مار آبا الكبير) قد قرر أن لا تكون رسامة البطريرك الجديد شرعية ما لم تجري في كنيسة كوخي الأم.

   عقدت في كنيسة كوخي مجامع عديدة لكنيسة المشرق،ودفن فيها نحو 24 جاثليقاً، أولهم أبريس(121م – 137م).

  • أمنيات مؤجلة

في نهاية هذا المقال الموجز، تراودنا أمنيات مؤجلة.وكلنا رجاء أن يولي المسؤولون – الحكوميون والكنسيون – مزيداً من الأهتمام بهذه الأماكن المقدسة التي شهدت نشأة المسيحية في هذه البلاد، وأرتوت بدماء الشهداء، وكانت مركزاً للأشعاع الروحي والفكري. لأن وبكل صراحة لاقت أهمالاً واضحاً من قبل الحكومات المتعاقبة، وعدم الأهتمام بها وحتى بترميمها. وعساهم أن يعملوا شيئاً في سبيل صيانتها وأستكشاف المزيد من الآثار التي تشير إلى قدم المسيحية في بلاد ما بين النهرين. وهنا لا بد من التأكيد على ثلاث نقاط أساسية لتحقيق هذه الأمنيات:

       أولاً: يتوجب على الدولة إصدار تشريعات تحمي التنوع الديني وتكرسه في دستورها وجميع قراراتها التنفيذية.

       ثانياً: لا بد من تصميم مناهج دراسية مدرسية وجامعية تعرف الطلاب بالتنوع الديني الذي تتمتع به بلادهم وتسهم في نشر وعيوثقافة تقبّل الآخر ونبذ التعصب وخطابات الكراهية،  بالإضافة إلى دعم البحوث العلمية التي تعمل على توثيق هذا التراث وتقترح وسائل ممكنة للحفاظ عليه وحمايته لكونه يساهم في وحدة العراق وأبناءه. وخاصة بعد زيارة ورحلة الحج التي قام بهاالبابا فرنسيس إلى العراق (5 – 8 آذار 2021).

       ثالثاً: لما لا نسعى بالمطالبة في جعل موضع كنيسة كوخي محجّة دينية ومزاراً مقدساً، يقصده الزوار من داخل البلاد وخارجها. بل والمسعى الأهم هو جعله نقطة ألتقاء وتلاقي للرئاسات الثلاث لـ “كنيسة المشرق” في “كوخي” من جديد، إكراماً لشهدائها وقديسيها الأولون.    

 

 

شاهد أيضاً

والدة رونالدو تتغنى بمهارات حفيدها: أفضل من كريستيانو

صرحت دولوريس أفيرو والدة البرتغالي كريستيانو رونالدو نجم يوفنتوس الحالي عن حلمها الأخير قبل نهاية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *