بابا الفاتيكان فى العراق.. أبعاد سياسية لزيارة تاريخية

5 مارس 2021
صافيناز محمد أحمد

تحمل الزيارة التى يقوم بها البابا فرنسيس بابا الفاتيكان للعراق اليوم 5 مارس، العديد من الأبعاد التاريخية والإنسانية والسياسية، حيث تأتى الزيارة لدولة تعانى -على مدى عقدين من الزمن- العديد من الأزمات على مختلف الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية، والتى كان لها تداعياتها على كل مناحى الحياة فيها. زاد من حدة تلك الأزمات ما أنتجته حالة المحاصصة السياسية -التى على أساسها تتقاسم القوى السياسية السلطة من صراعات سياسية وعنف طائفى. فضلاً عن معاناتها على مدى عام ونصف العام من تأثيرات انتشار فيروس كوفيد- 19 فى ظل بنية صحية متهالكة ومتآكلة. وتزامنت الزيارة كذلك مع حالة من الاستقواء والاستعلاء تبديها جماعات ما دون الدولة ضد السلطة الحالية فى بغداد، وتحديداً تلك الميليشيات المسلحة التى تتوشح بالتبعية الإقليمية لإيران، وتقوم على مدى عام باستهدافات عسكرية للمصالح الأمريكية والغربية داخل وخارج المنطقة الخضراء، فى محاولة لإحراج حكومة مصطفى الكاظمى، وإظهار عدم قدرتها على حماية مصالح شركائها الإستراتيجيين من ناحية، وتوفير بيئة سياسية وأمنية صالحة لعملية انتخابية مبكرة من ناحية ثانية.

فى إطار تلك البيئة المعقدة، تأتى زيارة البابا للعراق ضمن جهوده الإنسانية للحد من الصراعات فى العالم- لتضفى العديد من التساؤلات حول أبعادها وأهدافها ودلالاتها، ومدى مساهمتها فى دعم وإعلاء قيم التسامح والتعايش السلمى والتعدد وقبول الآخر، وهى القيم التى تراجعت بوضوح فى المشهد السياسى والاجتماعى العراقى خلال السنوات الماضية.

أهداف عديدة

زيارة البابا للعراق لها عدة أهداف ترتبط إلى حد كبير بمسار وتطورات الأوضاع فيها، والتى يمكن إجمالها فى عدة خطوط عريضة: أولها؛ أن الزيارة تحمل رسائل للتأكيد على قيم التسامح والإخاء بين الديانات المختلفة فى دولة تعانى من التنوع الدينى والإثنى والمذهبى، بما يدعم من قدرة أطياف المجتمع على مواجهة التطرف بكل معانيه، اعتماداً على مبادئ التعايش المشترك كالتسامح ونبذ الخلافات والحد من الصراعات ذات المصدر الطائفى أو المذهبى، بما يعزز من قدرة المجتمع العراقى على المساهمة بفاعلية فى الحوار بين الأديان.ثانيها، أن زيارة أعلى منصب دينى فى العالم المسيحى تمثل رسالة تشجيع لمسيحيى العراق أن يكونوا جزءاً فعالاً فى النسيج الاجتماعى والسياسى العراقى، وذلك عبر دعم مشاركتهم بقوة فى العمل داخل مؤسسات الدولة من ناحية، والمشاركة بفاعلية فى العملية السياسية من ناحية ثانية، لاسيما بعد تناقص عددهم بصورة ملحوظة جراء عدة عوامل منها -على سبيل المثال- الهجرة المستمرة خارج الدولة على وقع الأزمات الأمنية والاقتصادية الحادة التى تمر بها العراق، فضلاً عن تداعيات سيطرة تنظيم «داعش» على العديد من المناطق خلال الفترة من 2014 ــ 2017. ثالثها، فتح المجال أمام حوار دينى شامل فى العراق، عبر حوار مسيحى- سنى، ومسيحي- شيعى، بما يعزز من آفاق إعادة بناء الدولة العراقية بعد سنوات من الصراعات الطاحنة، التى ارتبطت إلى حد كبير بأبعاد طائفية قاسية وحادة. ورابعها، تعزيز فرص الحوار الدينى مع المرجعية الدينية الشيعية فى العراق ممثلة فى على السيستانى، عبر زيارة مدينة النجف مقر المرجعية، بالرغم من حالة عدم الارتياح للزيارة من قبل بعض الفصائل الشيعية، لاسيما تلك المحسوبة على إيران. ومن المحتمل أن يوقع الطرفان «وثيقة للإخاء الإنسانى» تدعو إلى ترسيخ الثقة المتبادلة بين جميع مكونات المجتمع العراقى، وتؤسس لمرحلة جادة من حوار الأديان فيه.

دلالات أربعة

تطرح الزيارة بصورة ضمنية الكثير من الدلالات:

الأولى تشير إلى أهمية الأماكن التى سيزورها البابا، ومن بينها زيارته لمدينة الموصل بمحافظة نينوى، وأربيل بإقليم كردستان، فكلتاهما تحمل رمزية مهمة للسياق العام للمشهد السياسى فى العراق. فمدينة الموصل هى المدينة التى عانت من سيطرة تنظيم «داعش» خلال الفترة من عام 2014 وحتى عام 2017، وأدت تلك السيطرة إلى معاناة العديد من سكان المدينة – من بينهم المسيحيون – الذين تم تهجيرهم قسراً من قبل التنظيم. وزيارة البابا للمدينة تأتى تشجيعاً لهؤلاء الفارين للعودة إلى مدينتهم، بعد أن نجحت الدولة فى استعادة السيطرة عليها فى سياق محاربتها للتطرف بكل أنواعه. فى حين تأتى زيارة إقليم كردستان فى سياق ما يمثله الإقليم من نموذج ناجح لحالة التنوع الدينى والإثنى به، وحالة التعايش السلمى بين المكونات التى يمثلها ذلك التنوع، بصورة مكنت الإقليم من أن يكون وجهة آمنة للنازحين من المدن التى اجتاحها تنظيم «داعش» وفرت لهم فرصاً أفضل للتعايش السلمى الدينى والطائفى مع غيرهم من المكونات الاجتماعية للإقليم. وبالتالى تعكس زيارة البابا للإقليم تحية تقدير لسكانه وحكومته على دوره فى حماية النازحين إليه.

الثانية، تتعلق بلقاء البابا بالسيستانى، وما قد يمثله من تقدير لدور المرجعية الشيعية المهم فى المشهد السياسى العراقى خلال الفترة الماضية، بأبعاده الداخلية والخارجية الإقليمية منها والدولية. هذا اللقاء يكتسب أهميته من أمرين: أولهما، اعتبار أن مرجعية النجف الشيعية هى الأكثر اعتدالاً دينياً وسياسياً عن مرجعية قم الإيرانية. وثانيهما، ما قد يعنيه هذا الاعتدال فى سياق حالة الخلافات الكامنة بين المرجعيتين، التى قد تصل إلى حد التنافس أحياناً حول أحقية قيادة التيار الشيعى عالمياً.

الثالثة، تتمثل فى كون الزيارة تعبيراً عن حالة «الاستقرار النسبى» الذى أصبح عليه الوضع فى العراق بالرغم من أزماتها السياسية والاقتصادية، وبالرغم من الاستهدافات العسكرية لمصالح حلفائه من ناحية، وتداعيات أزمة كورونا من ناحية ثانية. وكلا التحديين- الاستهدافات وكورونا- يمثلان تهديداً حقيقياً لتلك الحالة.

الرابعة، تنصرف إلى ما تمثله الزيارة من محاربة حالة الاستقواء التى تبديها إيران – عبر وكلائها العراقيين من القوى السياسية والميليشيات المسلحة – تجاه حكومة مصطفى الكاظمى. فزيارة البابا لبغداد تمثل دعماً للحكومة العراقية، واعترافاً بدورها فى محاولة فرض الاستقرار فى مواجهة محاولات إيران الدائمة إرباك المشهد السياسى والأمنى فى العراق، وتحويلها لساحة لتصفية حساباتها مع الولايات المتحدة.أخيراً، فإن أهمية الزيارة بأهدافها ودلالاتها تفرض على حكومة الكاظمى ضرورة استثمار نتائجها بشكل جيد يعود بنتائج إيجابية على تطورات الأوضاع فى العراق على المستويين السياسى والاجتماعى.

 

شاهد أيضاً

عجز الميزانية الأمريكية يسجل مستوى قياسيا

سجل عجز الميزانية الأمريكية مستوى قياسيا حيث بلغ 2.06 تريليون دولار خلال الأشهر الـ8 الأولى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *