رشا ناجح صوت يسعد قلبك ويريح عقلك .. الغناء الصوفي تجسيد للعشق الالهي والذوبان به حبا

نينوى/ قيس الهاشمي:

شهدت الساحة الغنائية وبالتحديد منذ مايقرب عشرة اعوام ظهور ناجح لاغنيات دينية او روحانية ماخؤذة من شعر قدماء المتصوفة او كتبت حديثا .. ورغم ان الغناء بقصائد شعرية لكبار المتصوفة كالحلاج وابن عربي وابن الفارض كان قد قدمها مطربين كبار امثال كاظم الساهر ومارسيل خليفة او لنقل مطربين تخصصوا بهذا اللون مثل الشيخ احمد التوني وجاهدة وهبة اضافة الى فرق انشاد دينية وجدت في معظم البلدان العربية  كفرقة ابن عربي المغربية وفرقة المولوية المصرية وفرقة المرعشلي السورية ، الا انني اعتقد ان سنة 2012 والتي شهدت تقديم مسلسل الخواجة عبد القادر للرائع يحيى الفخراني قد كانت الشرارة الموسيقية الاولى في توهج الاشعار والادب الصوفي من جديد واحتلاله مكانة متميزة متقدمة في النصوص الغنائية، فالموسيقى التصويرية التي قدمت القصيدة الاجمل في الشعر الصوفي ( والله ما طلعت شمس ولا غربت)  لشهيد العشق الالهي الحسين بن منصور الحلاج وبموسيقى ابدع فيها الموسيقار عمر خيرت قد الهمت الكثير من الشباب الذين كانوا يبحثون عن فرصة لاثبات الوجود في الوسط الغنائي فاتخذوا من الانشاد او غناء الاشعار الصوفية طريقا لاقت تجاوبا واستحسانا كبير من لدى جمهور المستمعين لما تحمله هذه الاشعار من معاني جميلة تتحدث عن الحب والتسامح والجمال وتحاول ان تقربهم الى الله وفهم الدين باسلوب جديد ( قديم) لم يعشه جيلنا ولم يآلفه سابقا خاصة واننا منذ نصف قرن تقريبا كنا نعيش ونشاهد ونسمع فقط تلك الافكار المتطرفة في الدين الداعية الى كره وتكفير الاخر وبث سموم التعصب بين المذاهب والاديان وخلق الصراعات التي مازالت مستمرة حتى يومنا هذا للاسف بينهم.  

لن نتحدث هنا بالتفصيل عن الصوفية اردناه فقط ان يكون مدخلا لموضعنا،  التعريف بها لمن لم يسمع عنها ولم يعرف عنها شيء سوى الاسم .. فالصوفية التي وجدت منذ القرن الثالث الهجري بشكل واضح وصريح بالمختصر وكما يعبر عنها اهلها فهي حركة دينية وليست مذهباً ،هي طريقة عبادة تعرفك بالله توصلك اليه وتقربك منه.. لم ينل رموزها عبر التاريخ سوى الاضطهاد والقهر والظلم اتهموا بالهرطقة والزندقة والتجديف، قتلوا وصلبوا كالسهرودي والحلاج او ضييق الخناق عليهم فاختاروا العزلة كابن الفارض ،ورغم ما لقته الصوفية وما عانوه اتباعوها الا انها استمرت احيانا كثيرة بشكل سري واحيانا اخرى علنية عبر التكيات ومراقد الاولياء واحياء المناسبات الديينة كالاعياد ومولد الرسول محمد(ص) حيث كان يتم احيائها بالغناء باشعار المتصوفة الاوائل وبمصاحبة الدفوف والناي ، اذن فالعلاقة بين التصوف والموسيقى قديمة وليست وليدة اليوم بل ان البعض يقول انه بدات منذ القرن الثالث عشر للميلاد .. ولكن مالذي ادى الى ظهور التصوف بشكل كبير الان ليس فقط عبر ادبه وشعره بل بسرد قصص وتاريخ الحركة وما عانته بل البعض يحاول ان ينصف رموزها ويرفع الظلم عنهم  ربما فقط نكاية بالاخر المتشدد، المهم لسنا هنا راغبين في المجادلة بهذا الموضوع بل حتى في أسباب هذا الظهور والتي قد تكون كثيرة فمنهم يعزو ذلك الى الانترنت الذي فتح للمواطن العادي افاقا جديدة لم تكن ميسرة من قبل، كانت فقط محصورة في كتب ممنوع تداولها القلة المتخصصة.. والبعض الاخر يعزو الى الصراعات الطائفية والمذهبية التي شتت فكر الناس وجعلتهم يبحثون عن فكر او معتقد يقربهم من الخالق فقط من خلال ( الاخذ بالحقائق والياس من ايدي الخلائق) .. وقسم اخر الذي يومن بنظرية المؤامرة يرى انها مؤامرة اميركية ، نعم انهم يقولون ذلك ولديهم الدليل، فاللجنة الخاصة بالحريات الدينية في الكونغرس الامريكي ( تعتقد ان تشجيع الحركات الصوفية تبعث على الزهد في الدنيا وتصرف الناس عن السياسة وبالتالي تضعف من المقاومة ) وربما كان هذا صحيح نوعا ما ، فاحدى الزميلات الصحفيات نقلت عن رئيس فرقة انشاد صوفية في مدينة عربية (مقاومة) قوله..( انها هروب من دين السياسة الى دين الروح، نربي ارواحنا وننجيها من الظلم والقهر والعنف ) .

لقد طالت المقدمة وابتعدنا كثيرا عن غايتنا لكن لا باس فقد كانت تعريف مبسط عن التصوف ومدخلا لما  نريد الحديث عنه، عن الادب الصوفي وعلاقة شبابنا من المطربين به، نريد الحديث عن ظاهرة الشعر والغناء واللحن الصوفي الذي يعد الشكل الجميل والرائع للحضارة الاسلامية والذي اصبح في يومنا هذا حدث كبير وواسع له مطربيه ومؤديه، له شعراؤه وملحنيه، وله مريديه محبيه، يتمثل  بجمهور كبير عريض يكفي فقط مثلا ان تدخل على اليوتوب وتختار مثلا اغاني صوفية لتجد اعداد ضخمة من الصفحات والمتابعين والمشاهدين الكثر وجلهم من الشباب الذين سأموا من الافكار الدينية المتشددة المتسلطة والتي تمنعهم من مباهج الحياة بل تحاول ان تقتلها فاتجه هؤلاء الشباب ان كانوا مطربين اومشاهدين الى معتقد ديني يسمح لهم بتحقيق رغباتهم ويقربهم الى الله عزوجل فكان الاتجاه الى الاشعار والموسيقى الصوفية فهي كما يعبرون ( مداواة للالم الانساني وترسيخ الاحساس بالخير والجمال والتسامح). 

الجميل ان معظم هؤلاء المطربين ومن كلا الجنسين وبعدد كبير لا يمكنك تخيله، يتمتعون بصوت جميل قوي متعدد الطبقات واسع المساحات يتقنون المقامات، صوت يجذب المستمع اليه من النغمة الاولى يشدك اليه ويجبرك على ان تستمع له باستمرار ( هذا على الاقل حدث معي) .. أنهم يعرفون ماذا يريدون فهم شباب دارس مثقف واعي ولو شاهدت صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي لوجدت انهم يقدمون عبر اغانيهم رسالة للاخر طارحين قضية انسانية مدركين ان هذا النوع من الغناء قد يحقق لهم شهرة روحية معنوية لكنه لن يجلب لهم مردود مالي ودخل مادي يعنيهم على مصائب الحياة، وربما لهذا السبب دفع ببعض منهم الى غناء الاغاني الخفيفة السريعة وهذا ايضا ليس بخطا.

ولفهم هذه العلاقة الجديدة بين المطربين الشباب والشعر العربي الكلاسيكي وبالذات الصوفي كان لابد من محاورتهم والاستماع الى افكارهم ولان العدد كبير والخيارات صعبة والتواصل اصعب بسبب الظروف الصحية العالمية كان لابد من اختيار الاصوات القريبة الى القلب والعقل وبصراحة قد حاولت جاهدا الاتصال بعدد قليل لا يتجاوز اصابع اليد الواحدة لكنها كانت مهمة صعبة، ولكنني توفقت ونجحت فقط مع واحدة وهي تكفي وهذا ليس بمبالغة ، لانها باغانيها وانشادها تصل بك الى الطرب الكامل، تناغم رائع بين مثلث اللحن والكلمة والصوت، وصوت رقيق قوي تستانس به روحك ويدخل قلبك دون استأذان انه صوت رشا ناجح.. نعم هذا الصوت هو الذي جعلني افكر في كتابة هذا الموضوع منذ ان سمعتها لاول مرة ولقد تابعتها منذ مدة ليس بالقصيرة عبر قناتها وما تقدمه عبر الفديو في (تجربتي) حيث تتحدث بصراحة وبروحانية عبر سلسلة وصلت الى 22 حلقة عن تجاربها في الحياة الناجحة والفاشلة محاولة تقديم النصح لتعين الاخرين في حياتهم اليومية .. رشا ناجح الفتاة السورية التي درست الاقتصاد (علوم مالية مصرفية)، وعلى شهادة دبلوم إعلام ، قدمت عددًا من البرامج في قنوات تلفزيونية متعددة كبرنامج ( عقدتمونا) النقدي كما شاركت في الفيلم السوري آخر قطرة جمال.

لقاءنا برشا كان عبر المسنجر حيث لم تتاخر عن المحاورة وتجاوبت معنا رغم انها تجهل جهتنا الاعلامية ولكنها كانت متفاعلة وعفوية وبسيطة في اجابتها كما عهدتها في برامجها وقنواتها..وكان حاورنا التالي، ففي معرض ردها على سؤالنا الاول ( مالذي يدفعك للغناء بالشعر العربي الكلاسيكي وبالتحديد الصوفي حيث الصعوبة في الكلمة والمعنى، وبالتالي صعوبة في فهم المستمع للاغنية وماهو المراد منها فمثلا الاشعار الصوفية كتبت في حب الله .. والذي لا يملك خلفية عن هذا النوع من الشعر يظن انه يخاطب حبيبته)

فقالت .. (  لاني بحب الكلام الجميل، بحب الاغنية التي لو عريتها من اللحن تبقى معانيها فاتنة، وبتضايق من الاغنية اللي كل جمالها باللحن، لحن يحلق في سماء المعاني وكلام محدود من هنا احببت هذه الاشعار واحببت المعاني الصوفية واحببت علاقة العبد بربه التي يحكمها الحب لا الخوف فبكل بساطة احس ان الدنيا لا يلطفها غير الحب للخالق او للعائلة او للصديق او لكل المخلوقات ، أنا فقط أحاول تحريك القلوب لحب الله تعالى بكلمات أتلمس الصدق فيها). واضافت..( اختياري للاشعار الصوفية كان نوع من التحدي وتحدي كبير خاصة وان الاشعار الصوفية لما تحمله من رمزية كما يقال عنها انها حمالة اوجه متعددة فمثلا انا غنيت القصيدة التائية ( اتطلب ليلى ) للشيخ الحراق قد يضنها البعض انها تتحدث عن ليلى المعشوقة التاريخية التي تغنى بها معظم الشعراء العرب غير انها كانت مجرد وسيلة تصل بك الى غايتك في التعبير عن عشقك لذات الالهية ، هذه هي رمزية الشعر الصوفي  تتجلى عندما تبث في القصيدة روحا جديدة فتحول التراث الغزلي الى وضعية روحانية، تحدثك عن العشق الالهي وتصف لك طريقا جديدا للتقرب اليه).

 

رشا ناجح من قلائل المطربين الذين استمروا في الغناء بالاشعار الصوفية رغم كل الصعوبات والظروف المحيطة لذا كان سؤالنا الثاني لها..  اليس كان من الاجدر لو غنيتي اغاني خفيفة تقربك اكثر من المستمع وخاصة انك في بدية مشوارك الفني ؟ فاجابت بشكل بسيط ودقيق قائلة..(  انا اؤمن بالحديث، اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، واثق واعمل بها، وهذا جزء من رسالتي في الحياة انا ارى ان المشكلة مش مشكلة ذوق بل مشكلة تمويل مع التمويل المناسب تقدر تصنع ذائقة جديدة للجمهور، جمهور يتذوق الشعر العربي القديم والحديث).. واضافت ( ومع ذلك فقد قدمت في حفل ساقية الصاوي الذي دعيت اليه قبل عدة اشهرفي القاهرة اغاني عديدة منها مثلا موشح عجبا لغزال لفؤاد عبد المجيد ونتالي لحسام تحسين بك واغنية تراثية ع الروزنا وقد نالت هذه الاغاني استحسان الحضور، وسبق لي ان قدمت اغنية عش انت للاخطل الصغير بشارة الخوري ولحنها وغناها الموسيقار الراحل فريد الاطرش ولكننا قدمنها بلحن موسيقي جديد ).

 

وعن مدى تقبل الجمهور لاغانيها اكدت .. ( اقبال غير متوقع الحمد لله، الاغاني لاقت صدى واسع ورسائل المحبة لا تتوقف). وهذا ما لمسناه حقا فقد نجحت رشا ناجح بعلاقتها مع الجمهور ونالت محبتهم وتقديرهم بامتياز عالي فيكفينا شهادة على ما نقول ان احدى صفحاتها على احد مواقع التواصل الاجتماعي تجد فيها اكثر من 48 الف صديق و واكثر من 58 متابع والجميع يطالبها  بالمزيد والمزيد، ومع ذلك فلامر لايخلو مطلقا من بعض التعليقات الصفراء فكانما التاريخ يعيد نفسه  وكانما قتلة السهرودي والحلاج عادوا عبر احفادهم المتشددين التكفيريين المتعصبين لمحاربة والوقوف ضد كل ما هو جميل وانيق ومفيد، مرددين بكل جهل وغباء نفس تهم التي كان ينثفون سمومهم اسلافهم قبل اكثر من الف عام كقولهم انها عقائد مخالفة للتوحيد او انها ضلال وانحرافات وشركيات او التهمة الكبرى بقولهم (عدم الادب مع الله)، تعالى سبحانه عما يقولون ويصفون.

ان اكتمال اضلاع مربع جمال الاغنية الرائعة موزع بين القصيدة واللحن والصوت والاداء قد نجح في رفع مستوى الوعي بالشعر العربي واعاد الاهتمام به، فالقارىء او المستمع اصبح مطلعا على شعرنا الكلاسيكي وعلى القصائد الصوفية التي كتبت بفطرة انسانية خالية من التكلف والتزلف وبكلمات جميلة تجسد عشق كاتبها للخالق وتناجيه في خشوع وايمان، لا تجاوز فيها لا على الخالق ولا على المخلوق، وحتى ان قلة فهم هذه الاشعار للبعض ضانا انها قصيدة غزل كتبت في حب أمرأة فيتعلق بالقصيدة او بالاغنية اصبح نقطة ايجايبة لصالح الشعر والغناء الصوفي وعامل جذب لهما، كما انها وربما هي الوحيدة ( اقصد اغاني الاشعار الصوفية ) استطاعت ان تكون لها قاعدة جماهيرية واسعة متنوعة ومتضادة، بين كبار السن والشباب بين النساء والرجال وحتى بين المؤمنين ودونهم، لجمال كلماتها ورمزيتها وادائها بانماط موسيقية متعددة تناسب كل الاذواق ان كان بطرق الانشاد التقليدية باستخدام الدفوف والناي او عبر الالحان الموسيقى الشرقية بمصاحبة فرقة موسيقية كاملة وحتى بموسيقى الجاز او الراب .. المهم انها تسعدنا وتفرح قلوبنا وتعمرها بالحب والجمال والتسامح وانها اصبحت ملاذا والهاما لكثير من الناس وخاصة الشباب.  

شاهد أيضاً

أطباء يحددون أفضل دواء لخفض الحمى

تحدث أطباء من جامعة نافارا الإسبانية عن الدواء الأفضل استخداما لخفض درجة الحرارة. وجد الخبراء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *