ملاحظات البارون الألماني ماكس فون أوبنهايم(1860-1946م) عن الموصل خلال زيارته لها سنة 1893م

 

 

 

بحث / الاستاذ عمر عبدالغفور القطان

 

(مدينة الموصل التي بدت، بأسوارها المتينة ومآذنها التي لاحصر لها والكثير من القباب الواقعة خارج المدينة،في منظر شاعري جميل يمتد أمامنا في السهل)

أوبنهايم 1893

 

زار الموصل في القرن الثامن والتاسع عشر العديد من الرحالة والاثاريين ورجال الاستخبارات الاوربيين منهم (راوولف 1556-تافرنييه 1644-سبيستياني 1650-فنشنسو 1656-اوتر 1736-لانزا 1756-نيبور 1766-اوليفيية 1791-جاكسون 1797- ميرزا ابو طالب 1803- بكنغهام 1816-وليم هود 1817-جون اشر 1864-بادجر 1849-بندية 1885- بدج 1889- ويكرام 1898-دي فوصيل 1907).                    

ولابد من القول انه بعد نجاح لايارد في اكتشاف اثار مدينة نينوى بين (1847-1851) اصبحت الموصل ومحيطها محط اهتمام  العديد  من الاثاريين وكان من بينهم الاثاري والدبلوماسي ابونهايم الذي ولد في كولون سنة 1860 وتوفي في لاندشوت سنة 1946م وكانت زيارته الاولى للموصل بحدود 15-23 اب سنة 1893م تلاتها على ما يبدو زيارات اخرى بين سنين 1911-1913 اثناء التنقيب عن منطقة تل حلف(راس العين)في سوريا بعدها 1927 واخير سنة 1939م على الرغم من ان عمله انصب في معظمه على انجاز كتابه الموسوعي الاشهر (البدو ودراسة احوالهم) الا انه قام بالتنقيب عن الاثار في منطقة راس العين حيث اكتشف مدينة تل حلف اضافة الى عمله الدبلوماسي حيث يذكر انه ارسل بطلبه من قبل الحكومة التركية سنة 1925 حيث استشير عن خط الحدود بين تركيا وسوريا بعد الحرب التركية – الفرنسية فاقترح خط السكة الحديد بين الموصل وحلب واكد على ضرورة ان لا يمر الخط في المدن الكبرى (بداية من جزيرة ابن عمر–ماردين-اورفة-غازي عينتاب).

اما عن موضوع المقال فقد اورد معلومات مفيدة عن الموصل في كتابه (من البحر المتوسط الى الخليج) الذي سرد فيه رحلة عام 1893 التي شملت بلاد الشام والعراق والخليج العربي. تلك رحلة التي استغرقت سنتين، مضافا إليها ست سنوات بحثا و دراسة في كل نقطة توقّف فيها من مدينة أو قرية أو أثر مرّ بها في هذه الرحلة، و بعد أن اكتملت هذه الرحلة الاستكشافية والبحثية أصبح لدينا مادة غزيرة لدراستها.

 فتحدث عن المجتمع اضافة الى اهتمامه عن قبائل البدو  وترك لنا مجموعة قيمة كما خلف لنا مجموعة من الصور الفوتغرافية التقطها بين(1893-1939م) للمنطقة التي زارها ومن بينها الموصل اضافة الى جمعه كم كبير من المخطوطات العربية كل هذه التركة تعد ثروة حقيقية عن تاريخ المنطقة العربية ومن بينها الموصل.

اهم ملاحظات أوبنهايم عن الموصل

اول شيء تناوله أوبنهايم عن اوضاع المدينة الادارية انه التقى بالوالي العثماني عثمان باشا الشركسي من القوقاز كما انه التقى في السراي الحكومي بالموصل احد ابناء شيخ شمر فرحان باشا الذي كان يحاول الحصول على الدعم الحكومي لتزعم العشيرة وكان مدعوم من يونس بك الجليلي(1).

وتحدث ان حماية القوافل في المنطقة بين العراق وبلاد الشام كانت من واجبات قبيلة شمر مقابل ضريبة تعرف ب(الخاوة) وعلى الرغم من حماية شمر له  فقد ارسلت السلطات العثمانية  قوة لحمايته اثناء التنقل بين المدن العراقية.كما اهتم بالبحث عن مدن عربية اسلامية كانت قائمة في القرون الوسطى وكانت اهمها برقعيد –وباعيناطا (2). 

وعن الحياة الاجتماعية فقد قدر عدد السكان بحوالي ٤٠٠٠٠- ٥٠٠٠٠ نسمة، وقال تحمل الموصل بصورة عامة طابعا عربيا أصيلا. ويشكل المسيحيون نحو سبع السكان؛ و هناك أيضا جالية يهودية صغيرة؛ ينتمي المسيحيون إلى الكنائس الكلدانية والسريانية والأرمنية(3).

اللغة السائدة في الموصل هي اللغة العربية. أما الأتراك فلا وجود لهم إلا كموظفين أو ضباط. و لم يكن يوجد في الموصل عند وجودي هناك- حسب علمي- أي أوروبيين باستثناء العاملين في البعثات المختلفة(4).

وعن الازياء تحمل الموصل بصورة عامة طابعا عربيا أصيلا. فالمرء لا يرى أبدا شخصا يرتدي قبعة أوروبية. و لم تزل الكفية تلبس هنا على نطاق واسع. و العمامة منتشرة هنا أكثر بكثير من انتشارها في القاهرة و دمشق و تذكر كثيرا بأشكال الزمن القديم.

و حتى الإسطمبولينا (القبعة الإسطمبولية) فهي نادرة الوجود. وحتى السكان المحليين المسيحيين أيضا، الذين نراهم في كل مكان في الشرق يسارعون قبل غيرهم إلى تقبل العادات الأوروبية و تقليد مظاهرها الخارجية، يندر أن يجد المرء بدلة أوروبية. كما أن القفطان التقليدي الملون لم يزل موجودا و لم يزل يستعمل في الموصل (5).

وعن وسائل الترفية فانه تحدث عن رحلات صيد ممتعة تستعمل فيها الكلاب السلوقية و الصقور.

وعن كيفية تقديم الطعام فقد قال انه تناول وجبة مع الوالي على الطريقة الإفرنجية أي باستعمال الصحون و الملاعق والشوك(6).

كما تحدث عن الممثليات الدبلوماسية الانكليزية والفرنسية(7) وعن البعثات التبشيرية المسيحية الكاثوليكية  التي تمتلك مدارس ومطبعة كما يوجد  القاصد البابوي وعن البعثة البروتستانتية التي نجحت في اروميا في بلاد فارس وفشلت في الموصل(8)

وعن الحياة الاقتصادية فعلى الصعيد الصناعي ليس للمدينة اهمية تذكر، كما لا يوجد في أسواق الموصل أي شي‏ء غير عادي و هي تحتوي على ما يلبي الحاجات القليلة للبدو و سكان الأرياف. و يغلب على البضائع الأوروبية المستوردة الأنواع الرديئة. و لا يوجد في الموصل صناعة تستحق الذكر بل فقط الأشياء المتعارف عليها محليا(9).  

وعن الزراعة كامل المنطقة الواقعة وراء دجلة خالية تماما من الأشجار لكنها شديدة الخصوبة و مزروعة في كل شبر منها. و عند وجودي هناك كانت الحقول محصودة و كان كل شكل من النبات قد جف من شدة حرارة الشمس(10).

وعن الحالة العمرانية فانه قام بجوله واسعة  زار خلالها العديد من المباني في الموصل واعطى ملاحظات مهمة  فقال شوارع الموصل ضيقة و متعرجة و غير معبدة إلا في جزء قليل جدا منها.

المشربية لا وجود لها في بيوت الموصل إلا نادرا. ومواد بناء البيوت من الحجارة المستخرجة من المقالع و التي تربط إلى بعضها بخليطة من الطين وهناك كثير من الواجهات الأمامية المصنوعة من بلاطات جبسية مربعة كبيرة منحوتة بشكل جيد. و تحتوي البيوت الكبيرة في كثير من الأحيان على الليوان‏ . كما توجد غرفة تسمى السرداب و هو حجرة تشبه القبو مطمورة في الأرض تكون درجة الحرارة فيها أقل، ١٠ درجات على الأقل مما هي عليه في الغرف الأخرى(11).

وعن الجوامع والمقاهى هناك قلعة حالتها أفضل، و يوجد فيها واحد من أقدم جوامع الموصل. جامع الأغوات جامع حمّو قدّو  وجامع النبي جرجس والجامع الكبير . وتحدث عن مقهى باب الجسر الأكثر إقبالا(12). يبلغ طول الجسر العائم ٤٠٠ خطوة تقريبا  ثم يرتبط بجسر حجري مكون من ٢٨ قنطرة،(13).

وعن أسوار الموصل فهي تولد انطباعا مهيبا عند النظر إليها من بعيد، مبنية من مواد حجرية جيدة و مزودة بأبراج قوية مسننة و لم يزل بعض أجزائها في حالة جيدة، بينما تشكل، من الناحية الأخرى، كثير من الثغرات. على الجهة الغربية يمتد خندق عريض، لكن حوافه انهارت في كثير من المواضع، على طول السور(14).

واخير تحدث عن اهمية مدينة الموصل  سنة 1893 وآفاقها المستقبلية

يقول: وهي في الوقت الحاضر عاصمة لولاية من الدرجة الثالثة. و هي مهمة جدا كمركز تجاري كبير . فهي تشكل، من الناحية الأولى، مركزا لتخزين المنتوجات الخام للجزء الشمالي من صحراء ما بين النهرين و منطقة كردستان التي تشحن من هنا، غالبا بالطريق المائي، عبر بغداد إلى أوروبا،

 و تشكل، من الناحية الثانية، السوق الرئيسية لسكان المناطق المذكورة. فضلا عن ذلك فإن الموصل هي نقطة التقاء أهم طريقين في الشرق الأدنى: الطريق العسكرية الكبرى من القسطنطينية إلى الخليج، أي أقصر خط يصل بين أوروبا و الهند، و الطريق الواصلة بين شمال فارس و سورية و التي تعبر نهر دجلة هنا و تتجه عبر سهول ما بين النهرين و البادية السورية إلى دمشق؛ و هي قليلة الاستعمال حاليا بسبب الاضطرابات في منطقة ما بين النهرين و منطقة سنجار.

إن متابعة تمديد الخط الحديدي في آسيا الصغرى، حسبما هو مخطط، من القسطنطينية، أو بالأحرى من سكوتاري، إلى بغداد سيمر في جميع الأحوال في مدينة الموصل و سيؤدي إلى اختصار زمن الوصول من أوروبا إلى شرق الهند بمدة لا تقل عن عشرة أيام قياسا إلى الطريق البحري. و بصرف النظر عما سيعنيه ذلك من تنشيط لحركة المرور، فإن الموصل ستكتسب بذلك أهمية كبيرة في مجال التصدير(15).

الهامش

(1) ماكس فرايرر فون أوبنهايم من البحر المتوسط إلى الخليج،،الناشر دار الوراق للنشر المحدودة

،الجزء الثاني: العراق والخليج،ص207.

(2) ص201.

(3) ص209.

(4) ص 210-211.

(5) ص٢٠٩.

(6) ص208.

(7)  ص٢١١.

(8) ص212-213.

(9) ص213.

(10) ص٢١٦.

(11)ص208-209

(12) ص 213 -٢١٤

(13) ص٢١٦.

(14)ص٢١٦.

(15)ص٢٢٧.

      

واجة الكتاب للنسخة الالمانية واجة الكتاب للنسخة العربية المترجمة

 

صورة لمدينة الموصل بين 15-23/اب-اغسطس/1893(تصوير أوبنهايم)

صورة لجسر القوارب ومقهى باب الجسر في مدينة الموصل اب/1893(تصوير أوبنهايم)

صورة لجسر القوارب في الموصل اب-اغسطس/1893(تصوير أوبنهايم)

 

مسدسا قديم له اربعة سبطانات حصل عليه أوبنهايم  في الموصل واهداه لمتحف الأدوات الملكي برلين

صحن حصل عليه أوبنهايم  في الموصل واهداه لمتحف الملكي للصناعات اليدوية في برلين

إبريق من الفخار مزود بعروة مزدوجة ومرسوم عليه بشكل ناتئ على الجهتين في الوسط طير يشبه الطاووس محاط بخطوط مزينة بالكتابات(متحف الأدوات الملكي في برلين)

شاهد أيضاً

بنك أمريكي: المستثمرون يكدسون الذهب

أظهرت إحصاءات تدفقات الصناديق من بنك “أوف أمريكا ” تدافعا من المستثمرين على السيولة والذهب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *